الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

364

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أشار إليه قوله : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [ الضحى : 8 ] . ورفع الذكر مجاز في إلهام الناس لأن يذكروه بخير ، وذلك بإيجاد أسباب تلك السمعة حتى يتحدث بها الناس ، استعير الرفع لحسن الذكر لأن الرفع جعل الشيء عاليا لا تناله جميع الأيدي ولا تدوسه الأرجل . فقد فطر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم على مكارم يعزّ وجود نوعها ولم يبلغ أحد شأو ما بلغه منها حتى لقب في قومه بالأمين . وقد قيل إن قوله تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [ التكوير : 19 - 21 ] مراد به النبي صلى اللّه عليه وسلم . ومن عظيم رفع ذكره أن اسمه مقترن باسم اللّه تعالى في كلمة الإسلام وهي كلمة الشهادة . وروي هذا التفسير عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري عند ابن حبان وأبي يعلى قال السيوطي : وإسناده حسن ، وأخرجه عياض في « الشفاء » بدون سند . والقول في ذكر كلمة لَكَ مع وَرَفَعْنا كالقول في ذكر نظيرها مع قوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ وإنما لم يذكر مع وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ بأن يقال : ووضعنا لك وزرك للاستغناء بقوله : عَنْكَ فإنه في إفادة الإبهام ثم التفصيل مساو لكلمة لَكَ ، وهي في إفادة العناية به تساوي كلمة لَكَ ، لأن فعل الوضع المعدّى إلى الوزر يدل على أن الوضع عنه فكانت زيادة عَنْكَ إطنابا يشير إلى أن ذلك عناية به نظير قوله : لَكَ الذي قبله ، فحصل بذكر عَنْكَ إيفاء إلى تعدية فعل وَضَعْنا مع الإيفاء بحق الإبهام ثم البيان . [ 5 - 6 ] [ سورة الشرح ( 94 ) : الآيات 5 إلى 6 ] فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 5 ) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 6 ) الفاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر يدل عليه الاستفهام التقريري هنا ، أي إذا علمت هذا وتقرر ، تعلم أن اليسر مصاحب للعسر ، وإذ كان اليسر نقيض العسر كانت مصاحبة اليسر للعسر مقتضيه نقض تأثير العسر ومبطلة لعمله ، فهو كناية رمزية عن إدراك العناية الإلهية به فيما سبق ، وتعريض بالوعد باستمرار ذلك في كل أحواله . وسياق الكلام وعد للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأن ييسر اللّه له المصاعب كلّما عرضت له ، فاليسر لا يتخلف عن اللحاق بتلك المصاعب ، وذلك من خصائص كلمة مَعَ الدالة على المصاحبة .